الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

117

شرح ديوان ابن الفارض

« رضيناه » : مستأنفة لبيان رضاه بما تقتضيه أحكام المحبة الصادقة . ويصحّ أن يكون « العشق » مبتدأ ، وهكذا خبر ، ورضيناه خبر بعد خبر . وقوله و « من » : شرط . و « يأتمر » : مجزوم فعله . و « أن تأمري » : بفتح همزة أن على أنها مصدرية ، أي ومن يمتثل أمرك لأن يأتمر بمعنى يقبل الأمر . وقوله « خير مريّ » : خبر مبتدأ محذوف ، أي فهو خير مريّ ، والجملة جزاء الشرط ، ومريّ تصغير مرء وذلك بقلب الهمزة ياء وإدغامها في ياء التصغير قبلها . والمعنى : العشق على هذه الصورة التي حكيناها فيما سلف من الأبيات ، ومن امتثل أمرك وعرف قدرك فهو خير إنسان لأنه يكون عبدا مطيعا خاضعا سميعا . ولا يخفى المجانسة بين يأتمر وتأمري ومريّ . ( ن ) : بعد أن بيّن واجبات المحبة والعشق ورضاه بها قال : ومن يمتثل أمرك فهو خير إنسان فذلك إشارة إلى أنه وإن تبع دين المحبة وسلك على حقائق الأمور ورضي ذلك كما قال فإنه لا يخالف الأمر الظاهر من أحكام الشريعة المحمدية فيمتثل الأمر ويجتنب النّهي . اه . ليت شعري هل كفى ما قد جرى مذ جرى ما قد كفى من مقلتيّ [ الاعراب ] « ليت » : حرف تمنّ . و « شعري » بمعنى شعوري ، والخبر محذوف ، أي ليت شعري حاصل بمعنى الاستفهام الحاصل من قوله « هل كفى » إلى آخر البيت وحيث وقعت هذه العبارة فإعرابها هكذا . ومعنى « هل كفى ما قد جرى » : أي هل كفاك في باب الدمع الماء الذي جرى . و « جرى » الأول بمعنى صار ، والثانية بمعنى سال . والمعنى : ليتني أعلم هل أقنع المحبوبة ما قد صار لي من مشاقّ المحبة حيث جرى من دموع عيني ما قد كفى الناس لسقايتهم ومهماتهم المتعلقة بالمياه ، وذلك لأن جرى قد يستعمل بمعنى صار ، كقولك : وما الذي جرى على فلان من النكاية حتى إنه يصرّح بمثل هذه الشكاية . وتستعمل بمعنى سال . ولا يخفى عليك القلب في كلمات البيت حيث قال : هل كفى ما قد جرى مذ جرى ما قد كفى . وفي البيت القلب في الكلمات ، وفيه الجناس التام بين جرى وجرى . ومما ينتظم في هذا السلك قول القائل : أما المنام فلست أعرف طعمه * ما حال طرف خانه طيب الكرى وسألت دمعي أن يزيد فقال لي * يا ظالما أو ما كفى ما قد جرى